الشوكاني

149

فتح القدير

هم ثلة ، والثلة الجماعة التي لا يحصر عددها . قال الزجاج : معنى ثلة معنى فرقة ، من ثللت الشئ : إذا قطعته ، والمراد بالأولين هم الأمم السابقة من لدن آدم إلى نبينا صلى الله عليه وآله وسلم ( وقليل من الآخرين ) أي من هذه الأمة ، وسموا قليلا بالنسبة إلى من كان قبلهم ، وهم كثيرون لكثرة الأنبياء فيهم وكثرة من أجابهم . قال الحسن : سابقو من مضى أكثر من سابقينا . قال الزجاج : الذين عاينوا جميع الأنبياء وصدقوا بهم أكثر ممن عاين النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ولا يخالف هذا ما ثبت في الصحيح من قوله صلى الله عليه وآله وسلم " اني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة ، ثم قال : ثلث أهل الجنة ، ثم قال : نصف أهل الجنة " لأن قوله " ثلة من الأولين وقليل من الآخرين " إنما هو تفصيل للسابقين فقط كما سيأتي في ذكر أصحاب اليمين أنهم ثلة من الأولين وثلة من الأخرين ، فلا يمتنع أن يكون في أصحاب اليمين من هذه الأمة من هو أكثر من أصحاب اليمين من غيرهم ، فيجتمع من قليل سابقي هذه الأمة ومن ثلة أصحاب اليمين منها من يكون نصف أهل الجنة ، والمقابلة بين الثلتين في أصحاب اليمين لا تستلزم استواءهما لجواز أن يقال : هذه الثلة أكثر من هذه الثلة كما يقال : هذه الجماعة أكثر من هذه الجماعة وهذه الفرقة أكثر من هذه الفرقة ، وهذه القطعة أكثر من هذه القطعة . وبهذا تعرف أنه لم يصب من قال إن هذه الآية منسوخة بالحديث المذكور . ثم ذكر سبحانه حالة أخرى للسابقين المقربين فقال ( على سرر موضونة ) قرأ الجمهور " سرر " بضم السين والراء الأولى ، وقرأ أبو السماك وزيد بن علي بفتح الراء ، وهي لغة كما تقدم ، والموضونة المنسوجة ، والوضن : النسخ المضاعف . قال الواحدي : قال المفسرون : منسوخة بقضبان الذهب ، وقيل مشبكة بالدر والياقوت والزبرجد ، وقيل إن الموضونة المصفوفة . وقال مجاهد : الموضونة المرمولة بالذهب ، وانتصاب ( متكئين عليها ) على الحال ، وكذا انتصاب ( متقابلين ) والمعنى : مستقرين على سرر متكئين عليها متقابلين لا ينظر بعضهم قفا بعض ( يطوف عليهم ولدان مخلدون ) الجملة في محل نصب على الحال من المقربين ، أو مستأنفة لبيان بعض ما أعد الله لهم من النعيم ، والمعنى يدور حولهم للخدمة غلمان لا يهرمون ولا يتغيرون ، بل شكلهم شكل الولدان دائما . قال مجاهد : المعنى لا يموتون . وقال الحسن والكلبي : لا يهرمون ولا يتغيرون . قال الفراء : والعرب تقول للرجل إذا كبر ولم يشمط إنه لمخلد . وقال سعيد بن جبير : مخلدون مقرطون . قال الفراء : ويقال مخلدون مقرطون ، يقال خلد جاريته : إذا حلاها بالخلدة ، وهي القرطة . وقال عكرمة : مخلدون منعمون ، ومنه قول امرئ القيس : وهل ينعمن إلا سعيد مخلد * قليل الهموم ما يبيت بأوجال وقيل مستورون بالحلية ، وروى نحوه عن الفراء ، ومنه قول الشاعر : ومخلدات باللجين كأنما * أعجازهن أقاوز الكثبان * وقيل مخلدون ممنطقون ، قيل وهم ولدان المسلمين الذين يموتون صغارا ولا حسنة لهم ولا سيئة ، وقيل هم أطفال المشركين ، ولا يبعد أن يكونوا مخلوقين في الجنة للقيام بهذه الخدمة ، والأكواب : هي الأقداح المستديرة الأفواه التي لا آذان لها ولا عرى ، وقد مضى بيان معناها في سورة الزخرف ، والأباريق : هي ذات العرى والخراطيم ، واحدها إبريق ، وهو الذي يبرق لونه من صفائه ( وكأس من معين ) أي من خمر جارية أو من ماء جار ، والمراد به ها هنا الخمر الجارية من العيون ، وقد تقدم بيان معنى الكأس في سورة الصافات ( لا يصدعون عنها ) أي لا تتصدع رؤوسهم من شربها كما تتصدع من شرب خمر الدنيا . والصداع هو الداء المعروف الذي يلحق الإنسان